(CNN)-- لا تنظر الفنانة البصرية المغربية صفاء قطبي إلى التراث باعتباره إرثًا ينتمي إلى الماضي، بل تراه مادة حيّة قابلة لإعادة القراءة والتأويل. ففي أعمالها، تتحول الأدوات اليومية التي اعتاد المغاربة على استخدامها في المنازل والطقوس التقليدية إلى أعمال فنية معاصرة، تحمل طبقات من الذاكرة، والهوية، والانتماء.
من الدار البيضاء، تبني قطبي مشروعها الفني على عناصر مألوفة للوهلة الأولى، مثل "المرشّة" أي الأداة المغربية التي تُستخدم لرشّ ماء الزهر أو ماء الورد أو العطور، و"البرّاد" أي إبريق الشاي المغربي التقليدي، والحُلي، والأقمشة التقليدية، وتعيد تقديمها ضمن سياقات جديدة، لتصبح وسيلة لسرد حكايات النساء، واستحضار الذاكرة الجماعية، وطرح أسئلة حول العلاقة بين الماضي والحاضر.
وبين التصوير الفوتوغرافي، وفنون التركيب، والموضة، تقدّم قطبي التراث بوصفه كيانًا حيًا يكتسب معاني جديدة من خلال التجارب الشخصية والذاكرة المتوارثة.
أشارت الفنانة المغربية في مقابلة مع موقع CNN بالعربية إلى أن الأدوات التي تظهر في أعمالها لم تكن بالنسبة إليها يومًا ما مجرد أشياء منزلية، بل عناصر تحمل في داخلها قصصًا وذاكرة متراكمة، حيث تستمد منها حكايات ترتبط بتجربتها الشخصية، وفي الوقت ذاته تستند إلى الذاكرة الجماعية التي تختزنها هذه الأشياء. ومن خلال ممارستها الفنية، تحاول الكشف عن هذه السرديات الخفية، وإبراز كيف يمكن للموروث أن يستمر ويتطور في الحاضر.
ومن بين أكثر العناصر حضورًا في أعمالها "المرشّة" و"البرّاد"، وهما أداتان ارتبطتا تاريخيًا بثقافة الضيافة والطقوس اليومية في المغرب. واعتبرت قطبي أن هذين العنصرين يجسدان قيم الرعاية والكرم وانتقال الموروث بين الأجيال، كما يعيدان إليها صورة نساء عائلتها اللواتي حافظن على التقاليد من خلال تفاصيل الحياة اليومية.
بالنسبة إليها، لا تحمل هذه الأدوات وظيفة عملية فقط، بل تختزن ذكريات، وقيمًا، وتاريخًا يستحق أن يُروى.
حارسات للذاكرة والتراث الثقافي
وأكّدت قطبي أن المرأة تحتل مكانة محورية في مشاريعها، إذ نشأت وسط نساء نقلن إليها الثقافة المغربية عبر الطقوس اليومية، والحكايات، والممارسات التقليدية، مشيرة إلى أن هذا الإرث أصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من تجربتها الفنية، لذلك ترى النساء حارسات للذاكرة والتراث الثقافي، ويحملن المعرفة من جيل إلى آخر.
لا تبدأ أعمال قطبي من الشكل النهائي، بل من البحث والتأمل في المعنى الذي يحمله العنصر المختار، فكل مشروع ينطلق من دراسة تاريخ الشيء والذكريات المرتبطة به، قبل الانتقال إلى مرحلة التجريب باستخدام التصوير الفوتوغرافي، والمنسوجات، والمعادن، وفنون التركيب، لاختيار الوسيط الأكثر قدرة على التعبير عن الفكرة.
تعتمد هذه العملية بدرجة كبيرة على الحدس، لذلك تختلف رحلة كل عمل عن الآخر، حيث تحدد طبيعة الفكرة ما إذا كان العنصر التراثي سيتحول إلى قطعة قابلة للارتداء، أو منحوتة، أو جزء من عمل تركيبي.
عندما يُصبح البطء جزءًا من الفن
وأشارت قطبي إلى أن إنجاز بعض أعمالها قد يستغرق أسابيع، بينما تحتاج أعمال أخرى إلى أشهر طويلة بسبب مراحل البحث والتنفيذ، لكنها ترى في هذا الإيقاع البطيء قيمة فنية، خاصة أنه يمنحها فرصة للاهتمام بكل تفصيل، في تأكيد على أن الحرفية تقوم على الصبر والعناية والحفاظ على معرفة لا يمكن اختصارها أو إنتاجها بسرعة.
أمّا عن اهتمام الشباب اليوم بجذورهم الثقافية، فوصفت قطبي الأمر بأنّه حاجة متزايدة إلى فهم الهويات وإعادة اكتشافها، خصوصًا في زمن أصبحت فيه الثقافات عرضة لسوء الفهم، أو الطمس، أو الاستيلاء، خصوصا أن الإرث الاستعماري ترك آثارًا عميقة في الثقافات والهويات حول العالم، ليس على المستوى السياسي فقط، بل الفكري والثقافي أيضًا.
لكنّها تؤمن بأن الفنانين يتحملون مسؤولية توثيق ثقافاتهم، وإعادة مساءلتها، والحفاظ عليها. فالفن، سواء عبر التصوير، أو النحت، أو الكتابة، يصبح وسيلة لحماية الذاكرة مع السماح لها بالتطور، مؤكدة أن الأهم هو أن تُروى القصص بأصوات أصحابها.
في ختام حديثها، أكّدت صفاء قطبي أنها لا تسعى إلى تقديم صورة مثالية أو رومانسية عن الثقافة المغربية، بل ترغب في دفع الأجيال المقبلة إلى إعادة التفكير في الموروث الذي ورثته، والنظر إلى ما وراء السرديات المبسطة.، خاصة أنّ كل جيل يحمل قصصًا غير مكتملة أو تصورات تحتاج إلى إعادة قراءة، والفن وحده يمتلك القدرة على كشف زوايا جديدة، وإحياء الأصوات التي غابت أو جرى تجاهلها.